نهتم بكل جديد في عالم الفن ولكن برؤية مختلفة لن تجده إلا هنا

بالألوان الطبيعية فيلم لا يعرف الخوف



في ظل مجتمع اعتاد على "سينما نظيفة" من أي إبداع والتي دأب جيل محمد هنيدي وأحمد حلمي على تقديمها منذ أكثر من 13 عاما، من الصعب أن يجد مخرج مبدع مثل أسامة فوزي متنفسا يقدم من خلاله إبداعا يجرح قشرة جليد التبلد الصلبة التي تراكمت لتجسم على عقل وقلب المجتمع طوال هذه الفترة، بحجة حمايته من كل شيء حتى نفسه، ليقدم فيلما رائعا مثل "بالألوان الطبيعية" دون خوف أو وجل، ودون ان تتعثر خطواته في الطرح والمعالجة، ودون أن يسلم من سهام هجوم يرجى ألا يثنيه عن محاولته في تحطيم القوالب لتقديم فن يكشف عيوب هذا المجتمع ويمتعه. 


يحاول أسامة فوزي في فيلمه الجديد، الذي لا يختلف كثيرا عن مشواره الذي اعتبره المجتمع والمؤسسة مثيرا للجدل، أن يعري المجتمع الشرقي في مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة، في صراعه بين أجيال أطبقت قمتها على السلطة بمخالب من حديد وتاه شبابها في القاع بين شتى السبل. 

والسلطة هنا ليست سياسية، ولكنها سلطة على الفن وعلى حرية الإبداع، أي المعيار الوحيد الذي يمكن أن ينقل هذا المجتمع من المربع صفر أو حياة العصور البائدة المظلمة، إلى عصور التنوير، ليحاول أن يعبر عن رسالة مضمونها أن الفن أو أي مهنة هي في المقام الأول موهبة، وإخلاص وإبداع وحب، وقهر للخوف، وميراث التناقض الذي يقيد المجتمعات ويشدها للأسفل من القمة للقاع، ليضع الفن بعيدا عن الحلال والحرام في مواجهة التطرف، في صراع يجب حسمه. 

يقدم "بالألوان الطبيعية" حكاية طالب ثانوية عامة "يوسف" ويقوم بدوره النجم الصاعد كريم قاسم، الذي أكد نجوميته من قبل في أفلام تعتبر علامات فارقة في مشوار سينما الصورة والإبداع كفن سابع بحق مقابل السينما النظيفة السائدة التي لا تخجل منها الأسرة، تتنازعه عدة صراعات، بين أن يصبح فنانا ليشبع ويثري موهبة منحها له الله، وبين إرضاء أمه، النجمة انتصار، أرملة تحمله مسؤولية قدرها، ليدفع ثمن ذلك من تحويل مصيره إلى طبيب، لتفخر به أمام الجيران. 

ينجح يوسف في الثانوية، بمجموع يؤهله لدخول كلية الفنون الجميلة، وسط صدمة وذهول أمه، ولما كان ميراث القهر والخوف من كل شيء، هو الذي ينظم علاقاته بما حوله، بما في ذلك علاقاته مع الله، على غرار ما قدمه فوزي في فيلمه المثير للجدل أيضا "بحب السيما". 

وفي البداية يترك يوسف الكلية فرارا من المعصية، بعد أن طلب منه أساتذته رسم موديلات عارية على اعتبار أنه أضحى على أعتاب أول درجات جهنم. 

ولكن في سياق غير تقليدي، بعيدا عن النمطية الحوارية، المعتادة في سينما، تخفي الحقائق، كما يخفي النعام رأسه في الرمال، يبدأ يوسف في محاورة ربه، في حوار، يتأرجح بين الخوف والرجاء، بين الرغبة والرهبة، ولكنه قد يعتبر من جانب المؤسسة الدينية، التي اعتادت إصدار الإرشادات الواجب اتباعها في هذا السياق وكل سياق، تبدو أمرا غير مقبول، لأنه يحيدها، ويتخذ طريقه مباشرة نحو السماء، ليطلب منها أن تنير طريقه. 

ويستعرض سيناريو الفيلم من خلال ست مراحل: قبل دخول الكلية وسنواتها الأربع ثم عام التخرج أو العام الخامس، علاقة هذا الشاب الموهوب، المحاصر بمتناقضات مجتمعه، مع المؤسسة، وهي كلية الفنون الجميلة التي تم تلخيص عيوب المجتمع فيها، والتي تبدأ من إشكالية بدء علاقة مع الجنس الآخر، مرورا بالطالب الوصولي، لأنماط المدرسين، الذين يمثلون كل فئات فساد السلطة. 

فهناك المدرس، الذي يستغل طلبته، لأمور شخصية، وآخر يستغلهم لأمور جنسية، وآخر يستبيح إبداعهم للتوقيع عليه وبيعه باسمه والتربح منه، ومنهم من يتعالى عليهم بعلمه، ومنهم من انشغل عن العمل الأكاديمي لمشاريعه الاستثمارية، وهناك الأستاذة التي تستغل الطلبة والأساتذة، لتحقيق طموحاتها، لتدفع جسدها ثمنا لذلك، وهناك أيضا الطلبة الأغنياء الذين يدفعون للفقراء الموهوبين للصعود على أكتافهم مجرد حفنة من الجنيهات. 

ولا يخلو الأمر من نموذج مشرق واحد للأستاذ الذي يرغب في مساعدة طلبته، الذين يتخبطون بين الانبهار بعالم الفن، وبين التخوف من مواصلته، بين التطرف الأصولي، وبين الحرية المطلقة، التي يكتشفون في النهاية، أنها ضياع أكثر منه حرية لأنه في الحقيقة لا يكترث أحد لأمرهم على الإطلاق. 

في ذروة تأجج الصراع بين الطلاب الجدد وأساتذتهم يدافع الطلاب، على غرار، "علاقات خاصة"، عن حقهم في معلم يحتضنهم، بموجه أو مرشد ينير لهم الطريق. يقول عميد الكلية لطلابه "أنتم أفضل جهلاء، من يعرف يندم، لأن مناخ القهر والجهل والفوضى، سيدمره، وأن الخيار الأمثل لهم أن يواصلوا المسيرة، كباقي القطيع". 

ويقتنع الطلاب، بعد أن بلعوا مرارة يأسهم، أن المجتمع لم يعد يريد فنانين، وأن الخوف والتناقض الجاثم على صدورهم والضارب بجذوره في كافة أرجاء المجتمع، لم يعد به متنفسا يسمح لمخرج أن يقدم فيلما، تثير القبلة فيه سخطا، أو يثير فيه حوارا مباشرا مع الله غضب المؤسسة. 

وفي النهاية، يقرر يوسف، بعد اقتناعه أن نبل الغاية لا يبرره تلوث الوسيلة، أن يكون فنانا حرا، ويرفض اخضاع موهبته لقيود المؤسسة. 

يحسب لهذا الفيلم أنه قدم وجوها شابة عالجت بجرأة قضايا حية بعيدا عن القوالب النمطية، وأنه قدم صورة رائعة، لم نستمتع بمثلها منذ سنوات، بفضل كاميرا حساسة متسقة مع ذاتها، لفنان مخضرم مثل طارق التلمساني، كما يحسب للفيلم أنه قدم موسيقى تتناسب مع روح الشباب، في أحوالها وتقلباتها. 

كما يؤخذ على الفيلم السقوط المتعمد في فخ الخطابة والمباشرة، المستهلك لتبرير المواعظ والتمييز بين الخير والشر، ويبدو أنه لجأ إلى ذلك تحسبا لاعتراضات الرقابة، كما يؤخذ عليه أيضا تفكك خيوط السيناريو، وهو فيما يبدو أيضا متعمد لإبراز الضياع الذي تعيشه أنماط الشباب المختلفة إلا أن ذلك أفقد الفيلم التركيز. 

وأخيرا، يبدو أن السينما على وشك النهوض من كبوتها، والتخلص من طبقات الصدأ التي طغت على مرحلة، تفوق في تدهورها مرحلة سينما المقاولات، بنهاية السبعينات ومطلع الثمانينييات من القرن الماضي، ولكن كما سبق وأن قال الكاتب الراحل يوسف إدريس "سينهمر الصدأ والعفن في البداية عندما تبدأ مياه الحرية في التدفق في الينابيع الآسنة"، ونأمل أن يكون فيلم أسامة فوزي صاحب أفلام "عفاريت الأسفلت" و"جنة الشياطين" و"بحب السيما"، علامة أخرى على طريق الإبداع الجيد الذي يطرد الأعمال الرديئة. 






إرسال تعليق